عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

157

اللباب في علوم الكتاب

إِلَّا وُسْعَها » « 1 » « وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » « 2 » و « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » « 3 » . فكيف يقول : « وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ » على وجه لا يقدرون عليه « 4 » ؟ وقال أكثر المفسرين : حق الجهاد أن يكون بنية صادقة « 5 » . وقيل : يفعله عبادة لا رغبة في الدنيا من حيث الاسم والغنيمة « 6 » . وقيل : يجاهدوا « 7 » آخرا كما جاهدوا أولا ، فقد كان جهادهم في الأول أقوى ، وكانوا فيه أثبت نحو صنعهم يوم بدر ، روي عن عمر أنه قال لعبد الرحمن بن عوف « 8 » : أما علمت أنا كنا نقرأ « وجاهدوا في الله حق جهاده في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله » قال عبد الرحمن : ومتى ذلك يا أمير المؤمنين ؟ قال : إذا كانت بنو أمية الأمراء ، وبنو المغيرة الوزراء . واعلم أنه يبعد أن تكون هذه الزيادة من القرآن ، وإلا لنقل كنقل نظائره ، ولعله إن صح ذلك عن الرسول فإنما قاله كالتفسير للآية . وروي عن ابن عباس أنه قرأ : « وجاهدوا في الله حق جهاده كما جاهدتم أول مرة » فقال عمر - رضي اللّه عنه - : من الذي أمرنا بجهاده ؟ فقال : قبيلتان من قريش مخزوم وعبد شمس ، فقال : صدقت . وقيل : معنى الآية : استفرغوا وسعكم في إحياء دين اللّه ، وإقامة حقوقه بالحرب واليد واللسان ، وجميع ما يمكن ، وردوا أنفسكم عن الهوى والميل وقال ابن المبارك : هو مجاهدة النفس والهوى ، وهو الجهاد الأكبر [ وهو حق الجهاد وقد روي أن رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - لما رجع من غزوة تبوك قال : « رجعنا من الجهاد والأصغر إلى الجهاد الأكبر » « 9 » ] « 10 » وأراد بالجهاد الأصغر الجهاد مع الكفار ، وبالجهاد الأكبر الجهاد مع النفس . وأما بيان « 11 » ما يوجب قبول هذه الأوامر ، فهو ثلاثة : الأول : قوله : « هُوَ اجْتَباكُمْ » اختاركم لدينه ، وهذه من أعظم التشريفات ، فأي رتبة أعلى من هذا ، وأي سعادة فوق هذا . ثم قال : « وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » وهو كالجواب عن سؤال ، وهو أن التكليف وإن كان تشريفا لكنه شاق على النفس ؟ أجاب بعضهم بقوله : « ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ » ، [ روي أن أبا هريرة - رضي

--> ( 1 ) [ البقرة : 286 ] . ( 2 ) [ 78 من السورة نفسها ] . ( 3 ) [ البقرة : 185 ] . ( 4 ) انظر الفخر الرازي 23 / 73 . ( 5 ) انظر البغوي 5 / 615 . ( 6 ) انظر الفخر الرازي 23 / 73 . ( 7 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 73 . ( 8 ) هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة ، أبو محمد المدني ، شهد بدرا ، والمشاهد ، وهو أحد العشرة ، وهاجر الهجرتين ، وأحد الستة ، أخذ عنه إبراهيم ، وحميد ، وأبو سلمة ، وغيرهم ، ومات سنة 32 ه . تهذيب التهذيب 6 / 244 - 246 . ( 9 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 73 . ( 10 ) ما بين القوسين سقط من ب . ( 11 ) من هنا نقله ابن عادل عن الفخر الرازي 23 / 74 .